وُلد فريد الدين العطار في مدينة نيسابور بفارس نحو عام 1142م، وورث عن أبيه مهنة العطارة والطب، فأصبح صيدلياً ماهراً يدير دكاناً مزدهراً يستقبل يومياً نحو خمسمائة مريض. لكن القدر كان يرصد له تحولاً جذرياً.
تروي المصادر قصة لقائه بالدرويش الذي غيّر حياته: بينما كان العطار منهمكاً في عمله بدكانه، دخل عليه فقير وطلب منه صدقة، فلم يلتفت إليه. كرر الفقير طلبه، فأجابه العطار بلا مبالاة، بل طرده من المحل. هنا وقف الدرويش محدقاً به وقال كلماته التي ستظل عالقة في ذهن العطار: “أنا لن يكلفني الذهاب شيئاً، لأني لا أحمل شيئاً معي، أما أنت، كما أرى الآن، فسيكلفك توديع كنوزك الشيء الكثير”. ثم انصرف تاركاً العطار يتأمل في صدق كلماته وثقلهما على روحه.
أدرك العطار أن توديع متاع الدنيا وكنوزها سيكون أصعب شيء يفعله، لكنه الطريق الوحيد للحقيقة. فتغيرت أحواله وتخلى عن دكانه وتفرغ للطريق الصوفي، مرتحلاً في رحلة روحية طويلة استمرت تسعاً وثلاثين سنة، جاب خلالها بلاداً شتى. قصد الهند طلباً للحكمة، وبلغ بلاد ما وراء النهر، وأدى فريضة الحج إلى مكة المكرمة، ثم واصل سيره إلى الكوفة ودمشق حيث تتلمذ على كبار المشايخ واقتبس من أنوارهم، ليعود أخيراً إلى نيسابور وقد امتلأت روحه حكمة، ليستأنف عمله بالعطارة، لكن هذه المرة كطبيب للروح لا للجسد فقط.
ترك العطار إرثاً أدبياً ضخماً، أبرزها: منطق الطير، تذكرة الأولياء، إلهي نامه، مصيبت نامه، أسرار نامه، وديوان شعر ضخم.
قصة السيمرغ في منطق الطير وحكمة الهدهد
في “منطق الطير”، تدعو الطيور بعضها للبحث عن ملكها السيمرغ، ويتقدم الهدهد ليكون دليلهم. لكن كل طائر تعلّق بعذره:
· البلبل: اعتذر بحبه للورد، فوبّخه الهدهد قائلاً إن عشق الورد زائل، والعارف يطلب الحقيقة الدائمة التي لا تذبل ولا تخون.
· الببغاء: اعتذر بأنه أسير الأقفاص، فقال له الهدهد أن السجن الحقيقي ليس سجن القضبان، بل سجن النفس والهوى، وأن التحرر يبدأ من الداخل قبل الخارج.
· الطاووس: اعتذر بجماله وتمنّع بالجنة، فأجابه أنه يتعلق بزينة زائلة، فليتجاوز جماله الظاهري إلى الجمال الباطني، فجنة الدنيا ليست كجنان الآخرة.
· البطة: اعتذرت بتعلّقها بالماء، فقال الهدهد أن التعلق بالدنيا يُغرق الروح، والتخلص منه هو النجاة، فالغريق لا ينجو إلا بترك ما يتمسك به.
· الحجل: اعتذر بخوفه وخجله، فحثّه على الشجاعة لأن الطريق لا يقطع بالخوف، ومن يخاف لا يصل، ومن يتردد يضيع.
· الهدهد: يروي لهم حكايات عن السيمرغ وعظمة ملكه، ويصف لهم أودية السير السبع التي يجب قطعها: وادي الطلب، وادي العشق، وادي العرفان، وادي الاستغناء، وادي التوحيد، وادي الحيرة، وادي الفقر والفناء. محذراً من صعوبتها، لكنه يبشّر من يصل بالنعيم الأبدي.
واجه الطيور في رحلتهم أهوالاً عظيمة، فلم يصل إلى مقصد السيمرغ سوى ثلاثين طائراً. وعند بلوغهم، وجدوا أن السيمرغ ليس سوى انعكاس صورهم في بحيرة صافية. وهنا تبرز الحكمة الخالدة: “سي مرغ” في الفارسية تعني “ثلاثون طائراً”، فكان ما بحثوا عنه هو حقيقتهم الجمعية، وأن الوصول إلى الله هو فناء في الذات الإلهية، واكتشاف أن الجوهر الإلهي كامن في أعماقهم.
وهكذا يعلّمنا العطار أن العارف الحقيقي لا يجد الله في السماء، بل يكتشفه في أعماق روحه بعد أن يجتاز أودية المشقة والتصفية، ليعي أنه هو المرآة التي ينعكس فيها الجمال الإلهي. فكما تخلى العطار عن كنوز دكانه بعد كلمات الدرويش، تخلت الطيور عن أوهامها لتجد في النهاية أن ما بحثت عنه كان داخلها طوال الوقت. رحلة العطار من صيدلي إلى صوفي ومن نيسابور إلى مكة والهند والشام تختصر كل هذه المعاني: التخلي عن الأنا والكنوز المادية هو الباب الوحيد لاكتشاف الكنز الحقيقي في الأعماق، وأن الرحلة إلى الخارج ما هي إلا انعكاس للرحلة إلى الداخل.




جميلة جدًاا، لڪن اخر ابيات مافهمتهم💎.
حححبيت