قراءة في مقاطع "المومس العمياء" ونقد الواقع
رحلة “المومس العمياء”
تُعدّ قصيدة “المومس العمياء” رحلة شعرية تتنقل بين ظلام المدينة القاسي وسيرة سليمة الأليمة، ممزوجة بالأساطير التي تضفي عمقاً رمزياً على النص.
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينهْ
والعابرون، إلى القرارة مثل أغنيةٍ حزينهْ
وتفتحت، كأزاهر الدفلى، مصابيح الطريق
كعيون ميدوزا تحجِّر كل قلب بالضغينهْ
يصور السياب المدينة ليلاً وكأنها تبتلع الظلام، بينما يسير المارة بخوف. المصابيح التي تنير الطريق تشبه زهور الدفلى السامة، بل إنها كـعيون ميدوزا الأسطورية التي تحوّل الناظر إليها حجراً، لتعكس نظرة المجتمع القاسية التي تجمد المشاعر وتزرع الحقد في القلوب.
ويكاد ينكر أن شقًّا لاح من خلل الطلاء
قد كان حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة
ثغرًا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
لأبٍ يعود بما استطاع من الهدايا في المساء
لأبٍ يقبِّل وجه طفلته النَّدِيِّ أو الجبينْ
يستعيد الشاعر ذكريات سليمة الطفولية النقية، حيث كانت تنتظر أباها الفقير الذي كان يحمل لها هداياه البسيطة ويقبّل وجهها. يخلو هذا المقطع من الأساطير ليكون لحظة صفاء تتوقف عندها القصيدة، مبرزاً المفارقة بين ذلك النقاء والواقع الدامي الذي تعيشه اليوم.
وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم
تطفو عليهنّ البغايا كالفراشات العطاش
يبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشاش
أليسوا طيبين؟ كانوا جياعًا — مثلها هي أو أبيها — بائسين
مع اندلاع الحرب، تنفتح الأبواب كأفواه الجحيم لتسقط سليمة في مستنقع البغاء، تبحث كالفراشات المحترقة عن قطرة ماء في وسط النيران. يطرح الشاعر سؤالاً موجعاً: المجتمع الذي كان جائعاً مثلها، لماذا يمارس القسوة عليها؟ ليكشف أن الجوع، لا الرذيلة، هو المحرك الحقيقي للسقوط، دون حضور للأسطورة هنا، بل واقعية قاسية.
أحفاد أوديب الضرير ووارثوه المبصرون
سور كهذَّان حدثوها عنه في قصص الطفوله: يأجوج يغزز فيه، من حنقٍ أظافره الطويله
ويعضّ جندله الأصم، وكفّ مأجوج الثقيله
تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام
يصور السياب المجتمع بـأحفاد أوديب، الذين ورثوا عنه العمى الجسدي لكنهم يظلون مبصرين، أي أنهم عميان أخلاقياً رغم سلامة أعينهم. ثم يرسم سوراً يفصل سليمة عن العالم، يشبه سور يأجوج ومأجوج الأسطوري الذي تحاول قوى الشر هدمه لكنه يظل صامداً، ليكون رمزاً للحواجز الاجتماعية والوصم الأخلاقي الذي يعزل البطلة في قفصها.
وتظل تهمس، إذ تكاد يداه أن تتلقَّفاها:
"أبتي أغثني!" بيد أنك لا تصيخ إلى النداءْ
وهو نداء متصل بذاكرة الطفولة والأب، لا مجرد صرخة في الفراغ، بل استغاثة بمن كان يحميها في الماضي.
المال، شيطان المدينة، ربّ فاوست الجديد
تناولت قفصاً على كتفي بائع... تحس ريش الطير كالجوع القديم
يكشف السياب في الختام أن المال هو شيطان العصر ورب فاوست الجديد، في إشارة إلى الأسطورة الألمانية التي باع فيها فاوست روحه لإبليس، ليصبح المال هو الذي يشتري الأجساد والضمائر اليوم. في المشهد الأخير، تقف سليمة العمياء تتحسس ريش طيور ميتة في قفص، بحثاً عن أثر للحياة، لكنها لا تجد سوى بقايا رماد تذكرها بـ”الجوع القديم” للطفولة والحنان الضائع
. تنتهي القصيدة حيث بدأت؛ في ظلام المدينة، لكنها تترك القارئ أمام سؤال واحد حاسم: من الأعمى حقاً؟ سليمة التي فقدت بصرها،أم المجتمع
الذي يرى الجوع والفقر ويتغافل عنهما؟ بهذه المفارقة، لم يكتب السياب قصيدة رثاء لبغي، بل رسم لوحة نقدية عن مجتمع يصنع الضحايا ثم يلقي عليهم وزر سقوطهم، مؤكداً أن الأساطير تتكرر طالما ظل المال هو الإله الجديد، والضمير البشري مجرد قفص فارغ من الريش



أغار على هاي القصيدة ماريد احد يعرفها غيري
اخ أكثر قصيدة أعيد قراءتها مؤلمة بحق