كانت الحروب والمعارك ملازمة للتاريخ البشري على مر العصور، لكن الطريقة التي تلتحم بها الجيوش، وخاصة جيوش المشاة، تختلف من عصر لآخر. ففي عصرنا الحالي، لا يحدث التلاحم المكثف بين جنود المشاة، خاصة مع وجود المعدات الحديثة كالدبابات والمدرعات والطائرات والسفن وغيرها. لكن في العصور القديمة، لم يكن شيء من ذلك موجودًا، وكان لابد أن يلتحم جنود المشاة مع بعضهم بأعداد هائلة. ولهذا يُطرح سؤال: كيف استطاع الجنود قديمًا تمييز العدو من الصديق أثناء المعركة، رغم التلاحم بأعداد ضخمة؟ وهل حدث عبر التاريخ أن حارب جنود أصدقاءهم خطأً بدلاً من أعدائهم في الجيش المعادي؟
العلامات المميزة
في الجيوش القديمة جدًا، كان الجنود يقتتلون في المعارك بملابسهم العادية، إذ لم تكن معظم المجتمعات تملك مصانع ومشاغل حياكة لتوفير زي موحد للجنود. لكن رغم ذلك، أدركت الشعوب أهمية وجود وسيلة تميز العدو من الصديق. وإن تعذر الزي الموحد، فليكن على الأقل علامة في الملابس أو الجسد، يميز بها المرء من يتبعه ممن يضاده. لذا، أمر القادة المحاربين بربط قطع من القماش بلون معين على أذرعتهم، أو في أي مكان بارز من أجسامهم، بل واستخدموا أغصان نباتات كالريحان والصنوبر، ولفوها في مواضع واضحة. المهم أن تكون علامة مميزة مشتركة بين جميع الجنود.
ثم ظهر شكل آخر للتمييز، وهو النحت على الدروع أو الخوذات، وكان شائعًا جدًا عند الأسبرطيين، الذين نحتوا على دروعهم علامة تشبه حرف “لام” في اليونانية، وهو الحرف الأول من كلمة “لاكونيا”، وهي المنطقة التي تقع فيها مدينة أسبرطة.
المصريون القدماء والأزياء الموحدة
فهل يعني هذا أن الزي الموحد للجيوش لم يظهر إلا في العصور المتقدمة؟ في الواقع، لا، فهناك شعوب قديمة اهتمت بالملابس والأزياء الموحدة، بل وفكرة تمييز كل طبقة بزي مختلف، بما فيها الجيوش. ومن هذه الشعوب المصريون القدماء؛ فقد اعتمد شكل الجنود في أي حضارة على الموارد المتاحة، وكان للمصريين مورد وفير جدًا هو الكتان، الذي كان يُزرع بكثافة في مصر، ويُستخرج منه ألياف وخيوط لصناعة الملابس البيضاء. وبسبب وفرة الكتان، خُصصت ملابس معينة للجنود لتمييزهم، ويظهر ذلك بوضوح في الرسومات والمنحوتات الحربية.
فمثلًا، في اللوحة الشهيرة التي تصور الملك أحمس الأول وهو يطارد الهكسوس على عربته الحربية، والتي يعود تاريخها لأكثر من 3500 سنة،
نجد الجنود المصريين جميعهم يرتدون لباسًا موحدًا أبيض اللون، بينما يرتدي الهكسوس ألوانًا مختلفة كالأصفر والأزرق. والأمر نفسه في النموذج الخشبي المسمى “فرقة الرماة المصريين”،
الذي اكتُشف في مقبرة بأسيوط ويعود لعصر الأسرة الحادية عشرة (حوالي 4000 سنة)، حيث يظهر جنود المشاة جميعهم بزي موحد من الكتان، ويحملون نفس الدروع وقصة الشعر. وهناك منحوتة أخرى للرماة يلبسون نفس اللبس لكن مصبوغًا بالأحمر، وكأنه تمييز لفئة داخل الجيش.
أقدم زي موحد في التاريخ
الأغرب أن الموضوع لا يتوقف هنا، فهناك أدلة تاريخية تثبت استخدام الأزياء العسكرية الموحدة منذ أكثر من 5000 سنة، كاللوحة الخشبية المعروفة بـ”لوحة الحرب والسلم”
في المتحف البريطاني، المكتشفة في العراق، والتي تعود لعصر فجر السلالات في الحضارة السومرية، ويُعتقد أنها تصوّر جنود مدينة أور، وكلهم يرتدون لباسًا متطابقًا.
وبعد أن عرفنا استخدام الأزياء الموحدة في كثير من الجيوش القديمة، نسأل سؤالاً مهمًا: هل كان الزي الموحد كافيًا لمنع الجنود من الالتحام بزملائهم خطأً؟ في الواقع، لا. ففي العصور اليونانية الأولى مثلًا، لم يكن للجيش اليوناني زي موحد لفترة طويلة، بل كان كل جندي يجهز نفسه بمعداته الخاصة، فتارة يرثها من أهله، وتارة يشتري دروعًا وملابس من جنود متقاعدين، وتارة يكتفي بالرمح والترس دون درع. وهكذا كان الجيش اليوناني غير منتظم شكلاً، لكنه مع ذلك انتصر في معظم معاركه، وكان الجنود قادرين على تمييز بعضهم بسهولة.
إذن، السر لم يكن في الأزياء الموحدة فقط، بل كان هناك عامل مهم آخر، ألا وهو التنظيم العسكري والتشكيلات المحكمة.
تزييف أفلام هوليود للمعارك
دعونا نوضح الأمر بوضوح: مشاهد قتال الجيوش في أفلام هوليود، التي يلتحم فيها عشرات الآلاف من المشاة بالسيوف في ساحة المعركة، ليست لها أي أساس من الصحة. نعم، هي ممتعة سينمائيًا، لكنها لم تحدث على أرض الواقع. فالحروب قديمًا كانت تدور بين خطوط وتشكيلات محدودة من المقاتلين. فلو افترضنا جيشًا من مئة ألف جندي، لم يكونوا جميعًا ليحملوا السيوف وينزلوا إلى المعركة دفعة واحدة، وإلا لهلكوا هم أنفسهم من التزاحم والفوضى، ناهيك عن أن الازدحام كان ليمنعهم من القتال بكفاءة. فالحاصل فعلًا أن مجموعة صغيرة من الجنود تتقدم في عدة صفوف، وكذلك من الطرف الآخر، ثم تحدث مناوشات بين الفريقين حتى يجدوا فرصة للهجوم، أو ينسحب أحد الطرفين.
وحتى في هذه التشكيلات المحدودة، لم يكونوا يلتحمون بشكل فوضوي، بل كانت الجيوش تميل للتماسك والثبات، ولم يكن أي قائد يحب دفع جنوده للهلاك. بل حين تحدث فوضى أثناء الالتحام، كان الجنود يحاولون الابتعاد عن مركز الفوضى والتمركز على الأطراف لإعادة ترتيب صفوفهم.
وهناك واقعة غريبة حول هذا الموضوع حدثت في إنجلترا، في الفترة بين عامي 1455 و1485م، خلال حرب أهلية عُرفت بحرب الوردتين، حيث كان عائلتان كبيرتان من النبلاء الإنجليز، هما عائلة لانكستر وعائلة يورك، تتنازعان العرش. وقد كانت الحركات العسكرية لكل عائلة منظمة جدًا من ناحية الأزياء؛ فجنود عائلة لانكستر كانوا يرتدون ملابس حمراء ويتخذون الورد الأحمر شعارًا لهم، بينما جنود عائلة يورك كانوا يرتدون الملابس البيضاء ويتخذون الورد الأبيض شعارًا، وهو سبب تسمية الحرب بـ”حرب الوردتين”. ولكن في إحدى المعارك بينهم، وتحديدًا في معركة “برنت”، التحمت مشاة الجيشين بشكل مكثف، وحدثت فوضى كبيرة، حتى عجز الجنود عن تحديد من هو في صفهم ومن هو ضدهم، فضربوا عشوائيًا، وكانت النتيجة أن جنود عائلة لانكستر قتلوا بعضهم بعضًا بالخطأ، وخسروا المعركة رغم التفاوت الواضح في ألوان الملابس بين الجيشين. لكن هذه الواقعة كانت نادرة، لأن الأصل في المعارك هو المناوشات والتكتيكات، لا الالتحامات المكثفة التي نراها في هوليود.
أخيرًا، هناك عوامل أخرى ساعدت المحاربين على تمييز بعضهم بعضًا، بعيدًا عن الملابس، منها الألفة الطويلة؛ حيث كانت كتائب الجيش القديم تقضي سنوات طويلة جنبًا إلى جنب، ربما تصل لعشر سنوات أو أكثر، لأن التجنيد كان وظيفة دائمة للكثيرين، فأفراد المجموعة الواحدة كانوا يعرفون بعضهم جيدًا، بل كانوا أصدقاء ورفقاء عمر، مما سهّل تمييز بعضهم عند الالتحام بكتيبة معادية. هذا فضلاً عن السمات العامة التي تميز الشعوب عن بعضها؛ فمثلًا، لو حارب جيش من شرق آسيا جيشًا من أوروبا، كانت تختلف أشكالهم وملامحهم وعلاماتهم. كل هذه العوامل مجتمعة سهلت على المحاربين القدماء معرفة العدو من الصديق.








